شرارةٌ من نارِ الشغف
منذُ زمنٍ لم يستفزني شيء، ولم تأخذني دهشة، مُذ عودتي من سفَري الأخير، لم أشعر بشرارةِ الحياة تُوقظني، ولا بنورِ الشغف يُحرّكني، كنتُ أذهب وأعود من عملي، أشبه بآلةٍ تتحرك، دون أدنى قدرٍ من المشاعر، ودون أقل فيضٍ من الحب، هكذا أنا أعمل الآن.
هل اخترتُ تخصصي بشغف؟ وحب ورغبة؟ نعم، بالطبع. أتذكّر كمية توتري في سنتي التحضيرية، خوفاً من عدم القبول في رغبتي الأولى، تخصص الرعاية التنفسية، التخصص الذي سيُتيح لي إنقاذ حياة، وإعادةِ نبضٍ وتحسين نَفَس، التخصص المهم والذي لا غنى عنه في حالةِ الطوارئ، التخصص الذي سيُمكنني من أن أكون جُنديةً عند نصرة الإمام صاحب العصر والزمان روحي فداه، بلى، هذا التخصص هو شغفي، وما سأفعله ثمرةَ تعبي ودراستي، لكني لم أجد أياً من هذه الصلاحيات في المشفى الذي أعمل به، بكل بساطة فقدتُ كل ذرةٍ من شغفٍ عندها !
عن صوتِ أجهزةٍ تتلاشى في العدمِ أتحدّث ! عن أطباءَ قُدامى ذوو معلوماتٍ عفى عليها الزمن، وعلمٌ قديم لا يتجدد دون اطلاعٍ، عن أناسٍ لا أسميهم بأطباء حيثُ يفتقرون للخبرةِ والجرأة و الرغبة في التعلم والتطبيق، لا يسمعون مني اقتراحاً، ولا يُعطونني ولو نظرة عابرة، عن مهاراتٍ عظيمةٍ كنتُ أملكها في عقلي وأصابعي قد دفنت تحت مسمى "راعية البلغم والطبطبة"، عن روتين لا يشعرني بأي إنجاز، وعن حالاتٍ حرجة لا يكون مآلها إلا إلى الهلاك، إلا ما رحم ربي.
هل يتجدد شغفي بذلك أم يُدفن؟ هل أتجدد أنا أم أموت؟ الإنسان بلا شغفٍ ، كضحكةٍ بلا حياة. كنارٍ في رملٍ ورماد، لا تشتعل بل تنطفئ شيئاً فشيئاً.
ماذا بإمكاني أن أفعل لأنقذ آخر ما تبقى من شغف؟ يقول فان جوخ: " للرمادِ طعمٌ مر بالعادةِ نألفه ثم ندمنه كالحياةِ تماماً، كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقاً بها، لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي" هل أُغادر كي أحافظ على ما تبقى من جمالٍ لتخصصي في قلبي؟ هل أغادرُ وأنا في أوجِ اشتعالي؟ لكني الآن لستُ مشتعلة، بل لم يتبقى إلا القليل حتى أنطفئ ..
الليلة، كنتُ في أمس الحاجة لأبقى وحدي، وحدي في وطني وليس في غربتي، لأن الوحدة في الوطن تختلف عن الوحدة في الغربة، عندما أكون وحدي في وطني، أعلم أني سآخذ ما أحتاجه من الوحدة والعزلة وأعود لألقى أحضان من أحب بجانبي، ولكني في الغربة لا يكون بجانبي أحد لأعود إليه بطاقةٍ جديدة، ليس هنالك إلا الفراغ على مداي الدائريّ، على كل حال، الحمد لله أن أحبابي يتفهمون مساحتي الخاصة، وحقي فيها، ولذا بقيت وحدي، واطلعتُ على أمورٍ جديدة، وشعرتُ بقلبي يتحرك، وبروحي تزدهر، وبشغفٍ يستيقظ، كان مجال هذه الدهشة يتمحور في الفن كالعادة، الفن هو ما يحركني، وهو الصنعة التي أريد أن أمتهنها، الفن هو الذي كان يجري في روحي دائماً وأبداً، منذُ صغري، كان هو نفسي ورسمي، وهويتي، ولم أتأخر حتى أكتشف ذلك، لكني لم أكن أملك الجرأة على تغيير مساري إليه، لذا تجاهلته، لكني أعد نفسي أني لن أتجاهل ذلك بعد الآن، لن أتجاهل رغبتي الحقيقية ودهشتي وحركتي، ولن أسمح لنفسي بعيشِ حياةٍ تُطفئني ولا تجعلني أشتعل، لا أريد أن أموت قبل أن أموت..
إلهي، إن أكثر ما أحتاجُ إليه هو قربك، قربك الذي يجعلني سعيدة دائماً ، قربك وعنايتك وتوفيقك، إلهي فأعد إليّ الحياة، كي أسير نحوك براحةٍ واطمئنان، ووفقني لأجد رسالتي وأوصلها كما تُحب، إلهي، أسألك القرب والأنس والصحبة.
تعليقات
إرسال تعليق